السبت , يوليو 20 2019
الرئيسية / أقلام جزائرية / العـــقل العـــام

العـــقل العـــام

بن هني عبد الحميد :

أيقن يوليوس قيصر، 59 سنة قبل الميلاد، أن الارتقاء بأي واقع لا يكون دون الانصات  لصوت الشعب. إذ سعى لتكون مجالس الشيوخ علنية و تفاعلية تأخذ بالرأي العام بعد بلورته كقرار سائد. وهذا ما خدم سيادة الرومان  وتربعها على عرش العالم القديم. كما لم يقتصر هذا التوجه على الفكر الانساني الوضعي  بل نشهد في الرسالة المحمدية اخذها بوجهة نظر الاغلبية  في الفكر الاسلامي، و واقعة غزوة الاحزاب خير مثال يفند ذلك. وهذا الفكر الذي كتبت به ابجديات  الديمقراطية الحديثة القائمة على التشاركية، استهله منظرين الثورة الفرنسية باعتبارهم الرأي العام قوة لا يمكن تجاهلها شبيهة بالضغط الجوي في المجتمع.

في اي مجتمع، تتراوح وجهات النظر حسب خلفيات المؤثرين  فيه والتي تبنى حسب وعاء المستقى من النشأة وظروف التربية. من هذا المنطلق يمكن تمييز اربعة  توجهات، الأول رجعي، يرى بان الماضي احسن حامل للقيم، والتاني محافظ، يعتقد  بضرورة التمسك بالوضع الراهن لا يأخذ بضرورة تغيير الواقع القائم، أما بالنسبة للتوجه الثالث، المتحرر الآمل في الاصلاح والتطوير. اما الرابع والاخير، ثوري راديكالي، ساخط على مجمل الواقع وغير متقبل لكل تفاصيله، يطمع الى تغيير جذري له. ما سلف ذكره، كل متفاوت التأثير في الثقافة المادية و غير المادية في الكل الاجتماعي  حول العموميات والخصوصيات المتعلقة  بالأحداث  الجارية في محاولة توليد سلوك عام قدر الامكان بدافعية الارشاد والتوجيه لمطاوعة شعور العامة بمرونة او دونها مع الفكر والتوجه لتسويق الفكرة لتنتقل من نمط فردي الى سلوك اجتماعي.

الارادة العامة هي نتيجة ترويج افكار في الوعاء الاجتماعي ،كما يمكن أن تكون عفوية وغير ومؤطر كردة فعل جرّاء تأثر جماعي حول موضوع عام يمس شريحة اجتماعية.

يكون الترويج باستخدام وسائل الاعلام او التماس المباشر بين المؤثرين والعامة بعقد الندوات، كما ان التطورات الراهنة في التكنولوجيا افرزت نمطا او قنوات اتصال جديدة لها سيمات غير مسبوقة في  نضيرتها الكلاسيكية بميزاتها التفاعلية، اي نمط الاتصال الوسطي  التي أصبحت تتسم بالطابع الدولي ليفتح المجال للإخلال  بالانتماء والتجانس مع الفضاء الثقافي المحلي. ومن تقنيات صنع الراي العام عند الاغلبية يعتمد اسلوب التكرار للمثيرات كتنبيه متواتر  يخاطب العاطفة في عرض الحدث، كما قد يعمد في بعض الاحيان صنع الاحداث بافتعال الازمات  ببث الشائعات  بغية تحويل انتباه الجمهور.

كما  يتأثر الراي العام بجملة من العوامل النفسية والسياسية والاجتماعية ، قبل تبلور الفكرة الجماعية السائدة عند الاغلبية دون دراسة واعية و متأنية ليتشكل وجهة نظر عامة بصنفين، يعرف الاول بالراي العام الكامن اي غير الظاهر في حالة عدم توفر المناخ المناسب للناس لتعبر بحرية و بصفة علانية، لتتسم بسلبية التعبير و سيادة الصمت الحامل لعدة اوجه اهمها، الغضب والاحباط جراء الملل من الاستماع و الاختلاف، اما التصنيف الثاني هو نتيجة بلوغ احداث الحياة الضاغطة الذروة في تعارضها مع قضايا و رغبات وتطلعات الاغلبية الاجتماعية. لتشكل حشود عارضة  او نظامية معبرة، او جماهير اكثر تفكك من حيث البنية و التركيبة الفكرية لكن يوحدها حدث واحد يخرجها في مسيرات لتظاهر و التعبير او قيامها بإضرابات  وشل الحياة الاجتماعية، كما قد يعمد للمقاطعة بمفاهيمها المتعددة. كل هذا بهدف الضغط على اصحاب القرار.

يعتبر الراي العام  المرآة التي تعكس حقيقة المجتمع، وضابط السلوك الجماعي، اذ يرعى ويصون الدين والقيم مع العادات والتقاليد، يهدف ايضا لرفع الروح المعنوية. يعتبر نبض مساند وداعم اذا توافق مع اصحاب القرار  بشراكة تحقق الاستقرار. ولا يكون هذا الا بالرأي العام الائتلافي  بالمزج بين الراي الواعي المستنير للمثقفين والنقد المنساق لمحدودي الثقافة، وبين الراي المسير القائد لطبقة النخبة صاحبة القرار، لاستطلاع شمولية خادمة للاستقرار. عوض الاقتصار على  تركيبة من الضعف والتحيز والحماقة باتباع الشعور الخاطئ المبني على الانانية والانفعال السلبي. فلنعمد على محاكاة الغرب في الابتعاد عن العنف والتعصب، فالمشاعر الجماعية للعامة واصحاب القرار ان توحدت مع توفير استراتيجيات  الشفافية  تعزز الفطرة السليمة للإدارة المثلى لجميع الموضوعات في الكل الاجتماعي.

شاهد أيضاً

لحظة فارقة في تاريخ الجزائر.

جلال خشّيب: الجمعة الأول من مارس معركةٌ متجدّدة بروح الأول من نوفمبر العظيم لأجل جزائرٍ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *